ابن أبي الحديد

126

شرح نهج البلاغة

ويكون المناص أيضا بمعنى الملجأ والمفزع ، أي ليس هذا حين تجد مفزعا ومعقلا تعتصم به . هيهات اسم للفعل ومعناه بعد ، يقال هيهات زيد فهو مبتدأ وخبر ، والمعنى يعطى الفعلية ، والتاء في ( هيهات ) مفتوحة مثل كيف ، وأصلها هاء ، وناس يكسرونها على كل حال بمنزلة نون التثنية ، وقال الراجز : هيهات من مصبحها هيهات * هيهات حجر من صنيعات ( 1 ) . وقد تبدل الهاء همزة ، فيقال ( أيهات ) مثل هراق وأراق ، قال * أيهات منك الحياة إيهاتا ( 2 ) * . قال الكسائي فمن كسر التاء وقف عليها بالهاء ، فقال ( هيهاه ) ، ومن فتحها وقف انشاء بالتاء وان شاء بالهاء . قوله عليه السلام ( ومضت الدنيا لحال بالها ) ، كلمة تقال فيما انقضى وفرط امره ، ومعناها مضى بما فيه إن كان خيرا ، وإن كان شرا . قوله عليه السلام ( فما بكت عليهم السماء ) ; هو من كلام الله تعالى ; والمراد أهل السماء وهم الملائكة وأهل الأرض وهم البشر ، والمعنى انهم لا يستحقون أن يتأسف عليهم ، وقيل أراد المبالغة في تحقير شانهم ; لان العرب كانت تقول في العظيم القدر يموت بكته السماء وبكته النجوم ، قال الشاعر : فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا ( 3 ) . فنفى عنهم ذلك وقال ليسوا من يقال فيه مثل هذا القول ، وتأولها ابن عباس رضي الله عنه لما قيل له أتبكي السماء والأرض على أحد فقال نعم يبكيه مصلاه في الأرض ومصعد عمله في السماء ; فيكون نفى البكاء عنهما كناية عن انه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منهما إلى السماء

--> ( 1 ) اللسان 17 : 451 من رجز نسبه إلى حميد الأرقط . ( 2 ) انظر اللسان 17 : 452 . ( 3 ) لجرير ، ديوانه 304 .